تأخيرات مركبة ستارشيب، تعقيد مهمة أرتميس 3، والمنافسة المتصاعدة مع الصين تضع البرنامج القمري الأميركي أمام تحديات غير مسبوقة
| تعثرات تقنية تؤخر عودة الولايات المتحدة إلى القمر |
أثارت الإخفاقات التقنية المتتالية التي عرفتها بعض التجارب الفضائية لشركة سبيس إكس، المملوكة لرجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك، موجة من التساؤلات حول انعكاساتها على التوجهات الفضائية الجديدة للولايات المتحدة. فقد تحولت هذه الأعطال إلى عامل ضغط إضافي أمام المشاريع الطموحة التي تسعى الإدارة الأميركية إلى تسريع وتيرتها في مجال استكشاف الفضاء.
وفي هذا السياق، جاء القرار الرئاسي الأخير ليؤكد حجم الرهان الذي تضعه واشنطن على العودة القوية إلى الفضاء الخارجي. إذ أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال الأسبوع الماضي، أمرا تنفيذيا يحدد ملامح خطة زمنية طموحة تهدف إلى إعادة إرسال البشر إلى سطح القمر في أفق سنة 2028، كخطوة أولى نحو توسيع الوجود البشري خارج كوكب الأرض.
ولا تتوقف هذه الرؤية عند حدود الهبوط على القمر فقط، بل تمتد إلى مشروع أكثر جرأة يتمثل في إنشاء قاعدة دائمة هناك بحلول عام 2030، لتكون منصة للبحث العلمي والتجارب التكنولوجية، وربما نقطة انطلاق لمهمات فضائية أبعد في المستقبل.
غير أن تعثر بعض الاختبارات التقنية، خاصة تلك المرتبطة بالشركات الخاصة الشريكة في هذا المسار، يطرح تحديات حقيقية قد تؤثر على احترام هذه الآجال الطموحة وعلى نجاح الرؤية الأميركية في سباق الفضاء الجديد.
وفي إطار التنافس الدولي المحتدم على استكشاف القمر، كانت وكالة الطيران والفضاء الأميركية ناسا قد وضعت خطة تقضي بتكليف شركة سبيس إكس بنقل رواد الفضاء الأميركيين إلى سطح القمر سنة 2027، ضمن مهمة تحمل اسم أرتميس 3، وهي خطوة تُعد جزءا من سباق استراتيجي مع الصين التي تعمل بدورها على تطوير برنامج فضائي منافس يهدف إلى تحقيق إنجازات مشابهة.
وفي إطار التنافس الدولي المحتدم على استكشاف القمر، كانت وكالة الطيران والفضاء الأميركية ناسا قد وضعت خطة تقضي بتكليف شركة سبيس إكس بنقل رواد الفضاء الأميركيين إلى سطح القمر سنة 2027، ضمن مهمة تحمل اسم أرتميس 3، وهي خطوة تُعد جزءا من سباق استراتيجي مع الصين التي تعمل بدورها على تطوير برنامج فضائي منافس يهدف إلى تحقيق إنجازات مشابهة.
غير أن هذه الرؤية الطموحة اصطدمت بسلسلة من التحديات التقنية المرتبطة بمركبة ستارشيب، التي تُعد حجر الأساس في هذه المهمة. فمنذ بداية عام 2025، عرف الصاروخ ثلاث محاولات غير ناجحة بشكل متتال، رغم تسجيله بعض النجاحات في اختبارات أخرى، ما يعكس تعقيد المشروع وصعوبة الوصول إلى مستوى الاستقرار التقني المطلوب في مثل هذه المهمات الحساسة.
وتعود آخر هذه الإخفاقات إلى شهر نوفمبر الماضي، حيث فشل إطلاق جديد للمركبة، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة المخاوف بشأن تأثير هذه الأعطال المتكررة على الجدول الزمني المعلن. ويُخشى أن تؤدي هذه العراقيل إلى تأخير تحقيق هدف إعادة البشر إلى القمر، وهو الحلم الذي تسعى الإدارة الأميركية الحالية إلى تجسيده بعد أكثر من خمسة عقود على آخر مهمة مأهولة إلى سطحه.
وبين الطموح السياسي والواقع التقني، يبقى نجاح هذا المشروع مرهونا بقدرة سبيس إكس على تجاوز مشاكلها الهندسية وضمان موثوقية مركبة ستارشيب، حتى تتمكن الولايات المتحدة من الحفاظ على موقعها الريادي في مجال استكشاف الفضاء ومجاراة المنافسة الدولية المتصاعدة.
تقوم مهمة أرتميس 3، وفق التصور الذي وضعته وكالة ناسا، على تسلسل تقني معقد يبدأ بإطلاق رواد الفضاء على متن صاروخ إس إل إس، قبل أن ينتقلوا لاحقا إلى نسخة مطورة من مركبة ستارشيب، المعروفة باسم نظام الهبوط البشري إتش إل إس، والتي ستدور حول القمر تمهيدا للمرحلة الأخيرة. وفي نهاية هذه الرحلة، يتم الهبوط على سطح القمر باستعمال مركبة صممتها وطورتها شركة سبيس إكس خصيصا لهذا الغرض، وهو ما يجعل نجاح المهمة مرتبطا بعدة أنظمة وتقنيات متداخلة.
غير أن هذا التعقيد الكبير في بنية المهمة، إلى جانب التأخيرات المتكررة التي تعرفها مركبة ستارشيب، يثير شكوكا متزايدة حول مدى واقعية الالتزام بالجدول الزمني المعلن. فكل مرحلة من مراحل الرحلة تعتمد بشكل مباشر على جاهزية المرحلة التي تسبقها، ما يعني أن أي خلل تقني أو تأخير بسيط قد يؤدي إلى إعادة النظر في المواعيد المحددة سلفا.
وفي هذا السياق، يرى عدد من علماء الفلك والمختصين في شؤون الفضاء أن تنفيذ مهمة أرتميس 3 في موعدها الأصلي أصبح أمرا غير مرجح. بل يرجح هؤلاء أن يتم تأجيلها إلى ما بعد الموعد المعلن، على أن لا ترى النور، في أفضل الأحوال، قبل نهاية عام 2028.
وبين الطموحات المعلنة والرؤية العلمية الواقعية، يبدو أن برنامج العودة إلى القمر يواجه اختبارات حقيقية، حيث تفرض التحديات التقنية نفسها بقوة، وتجعل من عامل الزمن أحد أبرز الإشكالات التي قد تعيد رسم ملامح الخطة الفضائية الأميركية خلال السنوات المقبلة.
تُعد الرحلة المقررة إلى القمر واحدة من أكثر المهمات الفضائية تعقيدا من الناحية اللوجستية والتقنية، إذ تمتد لمسافة تُقدّر بمئات الآلاف من الكيلومترات، ما يستلزم توفير كميات ضخمة من الوقود. هذا الوقود لن يُستخدم دفعة واحدة، بل سيتم إطلاقه ونقله عبر سلسلة من الصواريخ المخصصة، في عملية دقيقة تتطلب تنسيقا عاليا ونسب أمان مرتفعة، وهو ما يزيد من صعوبة تنفيذ المهمة في الآجال المحددة.
وأمام هذه التحديات المتزايدة، بدأت داخل أروقة وكالة ناسا نفسها تظهر مواقف تدعو إلى التوقف وإعادة تقييم البرنامج برمته. فبعض المسؤولين والخبراء يرون أن الخطة الحالية قد تكون طموحة أكثر مما تسمح به الإمكانيات التقنية المتوفرة في الوقت الراهن، وأن الاستمرار فيها دون مراجعة شاملة قد يؤدي إلى مزيد من التأخيرات أو الإخفاقات.
وفي هذا الإطار، برزت تحذيرات رسمية خلال الأشهر الماضية، كان من أبرزها ما صدر في سبتمبر الماضي أثناء جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ الأميركي. حيث عبّر المدير السابق لوكالة ناسا، جيم براندنستين، عن قلقه من تعقيد المهمة، واصفا إياها بأنها شديدة الصعوبة من حيث التنفيذ والتنسيق بين مختلف الأنظمة.
كما أشار براندنستين إلى أن السباق الفضائي لم يعد محصورا في الولايات المتحدة وحدها، لافتا إلى أن الصين تمضي بخطى ثابتة في برنامجها القمري. وذهب إلى حد التحذير من أن الهبوط الأميركي على سطح القمر قد لا يتحقق قبل أن تنجح الصين في تحقيق هذا الإنجاز، ما يعكس تحولا في موازين المنافسة الدولية في مجال استكشاف الفضاء.
وفي الفترة نفسها، أطلقت لجنة السلامة التابعة لوكالة ناسا إشارات إنذار إضافية، إذ نبهت إلى أن المركبة القمرية التي تطورها شركة سبيس إكس قد تواجه تأخيرات تمتد لسنوات، معتبرة أن البرنامج برمته يصطدم بعقبات تقنية وتنظيمية معقدة. وخلصت اللجنة إلى أن حجم التحديات المطروحة قد يؤثر بشكل مباشر على الجدول الزمني وعلى فرص نجاح المهمة في صورتها الحالية.
وفي ضوء هذه المعطيات، عقدت اللجنة خلال هذا الشهر اجتماعا خاصا خُصص لإعادة فحص أهداف مهمة أرتميس 3 وتقييم مدى واقعيتها، في محاولة لإدخال تعديلات محتملة تأخذ بعين الاعتبار الصعوبات التي ظهرت خلال المراحل السابقة من الإعداد.
وقبل ذلك بشهر، وتحديدا في أكتوبر الماضي، صرح شون دافي، الذي كان يشغل آنذاك منصبا رفيعا داخل ناسا، بأن الوكالة قد تفتح المجال أمام شركات فضاء أخرى للمنافسة والمشاركة في تنفيذ مهمة أرتميس 3، في خطوة تعكس توجها نحو تنويع الشركاء وعدم الاكتفاء بالاعتماد على شركة واحدة.
ويبدو أن هذا التوجه لا يزال قائما، إذ أبقى جاريد إيزاكمان، رائد الفضاء السابق والمقرب من إيلون ماسك، والذي عيّنه الرئيس دونالد ترامب مؤخرا مديرا لوكالة ناسا، الباب مفتوحا أمام خيارات بديلة لسبيس إكس، مشيرا ضمنيا إلى أن مصلحة البرنامج تقتضي المرونة والانفتاح على حلول متعددة.
| Technical Setbacks Delay the United States’ Return to the Moon |
وفي هذا السياق، تبرز شركة بلو أوريجين، المملوكة للملياردير الأميركي جيف بيزوس، كأحد أبرز المنافسين المحتملين لسبيس إكس في مجال الرحلات القمرية، حيث أشارت تقارير صحفية إلى أن الشركة تسعى لتعزيز موقعها في سباق الفضاء، مستفيدة من خبرتها المتراكمة وطموحاتها المتزايدة للمشاركة في المهمات الكبرى المقبلة.