كيف حوّل إيلون ماسك منصة إكس إلى ساحة صراع مفتوحة لإعادة رسم موازين القوة في سباق الذكاء الاصطناعي
| ماسك يشعل حرب الذكاء الاصطناعي عبر منصة إكس |
في أواخر عام 2025، ومع اقتراب شهر ديسمبر، برز إيلون ماسك كطرف قرر كسر الإيقاع المعتاد في سباق الذكاء الاصطناعي، متخذا مسارا مختلفا عن ذلك الذي تسلكه عادة شركات التكنولوجيا الكبرى. فبدلا من الظهور عبر المؤتمرات الرسمية أو الاكتفاء ببلاغات إعلامية محسوبة بعناية، اختار ماسك أن يخوض معركته على أرضية أكثر صخبا وتأثيرا، هي الفضاء الرقمي المفتوح. هناك، على منصة “إكس” التي باتت تحمل بصمته الواضحة، أطلق رسائله وأفكاره، محولا إياها إلى المنبر الأساسي لتحركاته في هذا الملف المتصاعد.
ومع تصاعد هذا التوجه، تحوّل حساب ماسك الشخصي تدريجيا إلى ما يشبه مركز قيادة إعلامي يعمل على مدار الساعة، مكرّسا بالكامل للترويج لنموذج “غروك”، الذكاء الاصطناعي الذي تطوره شركته “إكس إي.آي”. لم تقتصر الحملة على منشورات عابرة أو تلميحات غير مباشرة، بل اتسمت بوتيرة مكثفة ونبرة هجومية واضحة، عكست رغبة ماسك في فرض غروك كلاعب رئيسي في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.
ومن خلال تغريداته المتتالية، لم يكتف ماسك بإبراز قدرات غروك التقنية، بل استخدم أسلوب المقارنة الصريحة مع النماذج المنافسة، موجها انتقادات مبطنة أحيانا، ومباشرة أحيانا أخرى، لخصومه في هذا المجال. هذا الزخم الإعلامي غير المسبوق جعل من منصة “إكس” مسرحا لمواجهة مفتوحة، تختلط فيها الرسائل التقنية بالدعاية، والرؤية المستقبلية بالصراع التجاري والفكري.
بهذا الأسلوب، بدا ماسك وكأنه يعيد رسم قواعد اللعبة، محولا حسابه الشخصي من مجرد مساحة للتعبير إلى أداة استراتيجية تهدف إلى كسب الرأي العام التقني، والتأثير في النقاش العالمي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، ووضع غروك في قلب هذا النقاش كخيار بديل ومتمرّد على السائد.
حملة تغريدات مكثفة لإعادة تشكيل صورة غروك
خلال الأسابيع الأخيرة من عام 2025، صعّد إيلون ماسك من حضوره الرقمي بشكل لافت، إذ نشر عشرات التغريدات بشكل شبه يومي، جعل منها منصة دائمة للترويج لنموذج غروك وتقديمه بوصفه الذكاء الاصطناعي «الأدق، والأكثر صدقا، والأقل خضوعا للتحيز». لم يكن الخطاب الذي اعتمده تقنيا جافا أو قائما فقط على استعراض الأرقام والمؤشرات، بل استند إلى أسلوب ماسك المعروف، القائم على السخرية اللاذعة والمقارنات المباشرة مع النماذج المنافسة.في 26 ديسمبر، على سبيل المثال، أثار ماسك موجة واسعة من التفاعل حين علّق على ما اعتبره أخطاء ارتكبتها نماذج مثل «شات جي بي تي» و«جيميني» في إحصاءات تتعلق بدخل مدينة لوس أنجلوس. لم يكتف بالإشارة إلى هذه الأخطاء، بل طلب من غروك تقديم «الإجابة الصحيحة مع roast فاضح»، في مشهد جمع بين التحدي والاستفزاز، وحوّل النقاش التقني إلى حدث تفاعلي أعاد إشعال الجدل حول دقة النماذج المنافسة وحدود موثوقيتها.
هذه المقارنات لم تكن مجرد حوادث عابرة أو ردود فعل آنية، بل جاءت ضمن استراتيجية تواصلية متكاملة. فقد حرص ماسك على تكرار عبارة «Grok it» بشكل متعمد، كمحاولة لصناعة بديل لغوي وثقافي لعبارة «Google it» الراسخة، في مسعى واضح لنقل غروك من كونه أداة تقنية متخصصة إلى كونه ممارسة يومية مألوفة لدى المستخدمين.
وفي سياق متصل، لم يتردد ماسك في الإشادة بأداء غروك في مجالات الكتابة والاستدلال المنطقي، معتبرا أنه يتفوق في هذه الجوانب على نماذج مثل Claude. وقدّم هذا التفوق، في أكثر من تغريدة، بوصفه دليلا على نضج غروك السريع وقدرته على الوقوف في صف واحد مع كبار اللاعبين في سوق الذكاء الاصطناعي، بل ومنافستهم على الصدارة.
الأرقام كسلاح لإثبات التفوق وتسريع السردية
إلى جانب السجالات العلنية والمقارنات الساخرة، اعتمد إيلون ماسك بشكل مكثف على لغة الأرقام والمؤشرات، مقدما إياها كدليل ملموس على تفوق غروك وتقدمه السريع في سباق الذكاء الاصطناعي. ففي عدد من تغريداته، تحدث عن تصدر غروك لوحات الأداء في منصات متخصصة بمقارنة النماذج مثل OpenRouter، سواء في مهام البرمجة المعقدة أو في ما وصفه بـ«الذكاء العاطفي»، في إشارة إلى قدرة النموذج على فهم السياق الإنساني والتفاعل معه بدرجة عالية من الدقة.ولم تتوقف الإشارات عند هذا الحد، إذ استحضر ماسك نتائج متقدمة حققها غروك في اختبارات قياس مركبة ومعقدة مثل τ⊃2;-Bench، مقدما هذه النتائج كبرهان على القوة الشاملة للنموذج، ليس فقط في مهمة واحدة أو مجال ضيق، بل عبر طيف واسع من القدرات المعرفية والتحليلية.
بالتوازي مع ذلك، روّج ماسك لبيانات استخدام قال إنها تعكس نموا لافتا في قاعدة المستخدمين، مشيرا إلى تجاوز عدد المستخدمين اليوميين عتبة 10 ملايين. كما استشهد بتقييمات مرتفعة حققها تطبيق غروك في متاجر التطبيقات، إضافة إلى تصدره قوائم التحميل في أسواق معينة، وعلى رأسها كوريا الجنوبية، وهو ما اعتبره مؤشرا على الانتشار العالمي السريع وقبول المستخدمين للنموذج خارج السوق الأميركية.
وسواء اتفق المراقبون والخبراء على دقة هذه الأرقام أو أثاروا حولها تساؤلات، فإنها لعبت دورا محوريا في بناء وترسيخ سردية «النمو المتسارع» التي سعى ماسك إلى تثبيتها في أذهان المتابعين. فالأرقام، في هذا السياق، لم تكن مجرد بيانات جامدة، بل تحولت إلى أداة إقناع ورمز لزخم متصاعد يصعب تجاهله.
ومن خلال هذا الخطاب، لم يقدم ماسك غروك على أنه مشروع مستقبلي أو منتج واعد يحتاج إلى مزيد من الوقت، بل صوّره كبديل جاهز وقادر فعليا على انتزاع حصة سوقية حقيقية من المنافسين، سواء داخل الولايات المتحدة أو في أسواق دولية أخرى، في رسالة واضحة مفادها أن المعركة لم تعد مؤجلة، بل باتت دائرة بالفعل.
تنوع الرسائل وتحول الترويج إلى معركة مفتوحة
اللافت في هذه الحملة لم يكن حدتها فقط، بل التنوع الكبير في الرسائل التي حملتها. فإلى جانب التركيز المتكرر على المنطق والدقة والقدرات التحليلية، حرص إيلون ماسك على إبراز ميزات أقرب إلى الاستخدام اليومي والبعد الإنساني للتقنية.تحدث عن إمكانات غروك في تحرير الصور والفيديو، وعن إضافة شخصيات احتفالية مثل “سانتا” إلى الصور العائلية خلال موسم الأعياد، كما أشار إلى قدراته في تعلم اللغات ومساعدة المستخدمين في الممارسة اليومية، إضافة إلى دمجه بشكل مباشر داخل محادثات منصة “إكس”، بما يجعل حضوره جزءا طبيعيا من التفاعل اليومي على المنصة.
وفي السياق نفسه، روّج ماسك لمفهوم “companions” موجهة للأطفال، مؤكدا على كونها آمنة ومصممة بعناية، إلى جانب تسليطه الضوء على قدرات “visual intelligence” التي تتيح لغروك فهم الصور والمشاهد وتحليلها، وليس الاكتفاء بالردود النصية. كل ذلك جاء في محاولة واضحة لتقديم غروك كنظام متكامل وشامل، قادر على مرافقة المستخدم في تفاصيل حياته اليومية، لا مجرد أداة تقنية للإجابة عن الأسئلة.
أما ردود الفعل، فجاءت خليطا من الحماسة والجدل. فقد حصدت العديد من التغريدات مئات الآلاف من الإعجابات وإعادات النشر، ما عكس حالة فضول جماعي ورغبة واسعة في تجربة النموذج واكتشاف حدوده. واحتفت شريحة من المستخدمين بما وصفته بنموذج أكثر جرأة وأقل خضوعا لما يسمونه “woke culture”، معتبرين أن هذا التحرر يمنح غروك مساحة أوسع في التعبير والإجابة.
في المقابل، لم تخل الساحة من انتقادات حادة، تمحور جزء كبير منها حول شخصية ماسك نفسه، أو حول اتهامات ذات طابع سياسي وإيديولوجي. كما ظهرت شكاوى محدودة تتعلق بتحيزات سابقة في بعض ردود غروك، ما أعاد إلى الواجهة النقاش القديم حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وحدود الحياد.
وبعيدا عن هذا الضجيج، تكشف الحملة عن تحول أعمق في طريقة تسويق تقنيات الذكاء الاصطناعي. فإيلون ماسك لم يكتف بدور المؤسس أو الممول، ولم يترك مهمة الترويج لفرق العلاقات العامة التقليدية، بل تولى بنفسه قيادة الخطاب، مستخدما حضوره الشخصي ونفوذه الرقمي كأداة تنافسية مباشرة.