العدول يراهنون على المؤسسات الدستورية والطعن القانوني بعد المصادقة على مشروع القانون وسط استمرار الخلاف حول الرقمنة وشروط الممارسة
ويبدو أن الاحتقان الذي عرفه القطاع خلال الأشهر الأخيرة لم يكن فقط بسبب تفاصيل تقنية داخل القانون، بل أيضاً بسبب شعور عدد من المهنيين بأن المشروع تم تمريره بسرعة مقارنة بحجم التغييرات التي يتضمنها. فالعديد من العدول يؤكدون أن المهنة ليست مجرد وظيفة إدارية، بل لها ارتباط مباشر بالحياة اليومية للمغاربة، خاصة في الزواج والإراثة والعقود والمعاملات الأسرية والعقارية.
ومن بين أكثر النقاط التي أثارت النقاش داخل المشروع الجديد، مسألة الولوج إلى المهنة. فالقانون يتجه نحو اعتماد المباراة كطريق أساسي وموحد للانضمام إلى سلك العدول، بعدما كانت هناك استثناءات تسمح لبعض الحاصلين على شهادات عليا أو تكوينات شرعية بالولوج بطرق مختلفة. الحكومة تعتبر أن هذا التغيير يحقق مبدأ تكافؤ الفرص ويضمن اختيار الكفاءات بشكل أكثر شفافية، بينما يرى معارضوه أن الأمر قد يهمّش بعض الكفاءات العلمية التي راكمت تجربة طويلة في المجال الشرعي والقانوني.
كما ينص المشروع على مستجدات مرتبطة بطريقة ممارسة المهنة نفسها، من بينها إلزام العدول بالتوفر على مكاتب مجهزة بوسائل تقنية حديثة، والانفتاح أكثر على الرقمنة والتوثيق الإلكتروني، وهي خطوة تقول وزارة العدل إنها ضرورية لمواكبة التطور الذي تعرفه الإدارة المغربية والتحول الرقمي للخدمات العمومية.
وفي الواقع، كثير من المواطنين أصبحوا يشتكون من بطء بعض الإجراءات الورقية، خصوصاً في الملفات العقارية أو عقود الإراثة التي قد تستغرق وقتاً طويلاً بسبب التنقل بين الإدارات. لذلك ترى الوزارة أن تحديث وسائل العمل داخل مكاتب العدول أصبح أمراً لا مفر منه.
لكن في المقابل، يعتبر عدد من المهنيين أن فرض تجهيزات تقنية متطورة قد يخلق مشاكل حقيقية للعدول العاملين في المناطق القروية أو المدن الصغيرة، حيث الإمكانيات محدودة وعدد الزبائن أقل مقارنة بالمدن الكبرى. بعضهم يقول إن العدل في القرى أحياناً يشتغل في ظروف بسيطة جداً، ومع ذلك يؤدي دوراً مهماً في تقريب الخدمات القانونية من المواطنين الذين لا يستطيعون التنقل بسهولة إلى المدن.
ومن النقاط الأخرى التي أثارت نقاشاً واسعاً أيضاً، تشديد المسؤولية المهنية والرقابة التأديبية على العدول. فالمشروع يتضمن إجراءات أكثر صرامة ضد حالات الانقطاع عن العمل أو ارتكاب أخطاء مهنية، إضافة إلى تحديد آجال للشروع في مزاولة المهنة بعد التعيين. ويرى مؤيدو هذه الإجراءات أنها ستساعد على رفع جودة الخدمات وحماية حقوق المواطنين، بينما يخشى البعض من أن تتحول بعض العقوبات إلى وسيلة ضغط على المهنيين.
وخلال مناقشة المشروع داخل البرلمان، قُدمت مئات التعديلات من طرف الفرق البرلمانية المختلفة، وهو ما يعكس حجم الخلاف حول عدد من المواد. فقد تجاوز عدد التعديلات المقترحة 300 تعديل، شملت شروط التمرين، والإعفاء من بعض الاختبارات، وآليات تنظيم المهنة، واختصاصات الهيئات المهنية.
وفي خضم هذا النقاش، دخلت مؤسسات دستورية أخرى على الخط، وعلى رأسها مجلس المنافسة، الذي طلب معطيات دقيقة حول القطاع، من بينها عدد العدول وتوزيعهم الجغرافي وحجم المعاملات داخل المهنة. هذا الاهتمام فسره بعض المتابعين بكون الدولة أصبحت تنظر إلى المهن القانونية أيضاً من زاوية المنافسة وجودة الخدمات ومدى استفادة المواطنين منها بشكل متوازن.
وفي الوقت نفسه، مازال المهنيون ينتظرون رأي المجلس العلمي الأعلى، خاصة أن مهنة العدول ترتبط بجوانب شرعية وفقهية حساسة. فالعديد من المغاربة مازالوا ينظرون إلى العدل باعتباره شخصاً يجمع بين المعرفة القانونية والخلفية الدينية، وليس مجرد موثق إداري فقط. لهذا يعتبر المهنيون أن أي إصلاح يجب أن يحافظ على هذا التوازن حتى لا تفقد المهنة خصوصيتها التاريخية داخل المجتمع المغربي.
الاحتجاجات التي خاضها العدول خلال الفترة الماضية أظهرت أيضاً حجم القلق داخل القطاع. فقد شهدت عدة مدن وقفات وإضرابات مفتوحة، عبّر خلالها المهنيون عن رفضهم لبعض المواد التي يعتبرونها “مجحفة”. ورغم تعليق الإضراب لاحقاً، إلا أن الهيئات المهنية أكدت أنها قد تلجأ إلى المحكمة الدستورية للطعن في بعض مقتضيات القانون، معتبرة أنها تتعارض مع مبادئ دستورية وحقوق مكتسبة.
ويرى متابعون أن هذا الجدل يعكس في العمق صراعاً بين منطقين مختلفين: منطق يدفع نحو تحديث المهن القانونية وربطها بالرقمنة والنجاعة والسرعة، ومنطق آخر يخشى أن يؤدي هذا التحديث السريع إلى فقدان بعض الخصوصيات المهنية والإنسانية التي ميزت مهنة العدول لعقود طويلة. ففي النهاية، المواطن البسيط لا يهتم كثيراً بالتفاصيل القانونية المعقدة، بقدر ما يريد خدمة موثوقة وسريعة وبثمن معقول، سواء في عقد زواج أو شراء منزل أو تقسيم إرث بين أفراد الأسرة.
ومع استمرار النقاش داخل المؤسسات والهيئات المهنية، يبدو أن مشروع القانون 16.22 لن يكون مجرد تعديل عادي لقانون مهني، بل قد يتحول إلى واحدة من أكثر الإصلاحات القانونية إثارة للنقاش داخل قطاع العدالة خلال السنوات الأخيرة.
.jpg)